ابن عجيبة

159

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : ( قبلا ) : بكسر القاف ؛ معاينة ، وبضمتين : جمع [ قبيل ] « 1 » ، أي : ضمناء ، وهو حال . يقول الحق جل جلاله ، في الرد على المشركين ، حين أقسموا : لئن رأوا آية ليؤمنن بها ، فقال تعالى : وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ تشهد لك بالنبوة كما اقترحوا ، وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى كما طلبوا بقولهم : فَأْتُوا بِآبائِنا « 2 » ، وقالوا : إنّ قصيّا كان شيخ صدق ، فابعثه لنا يكلمنا ويشهد لك بما تدعى . وَ لو حَشَرْنا عَلَيْهِمْ أي : جمعنا عليهم ، كُلَّ شَيْءٍ من الحيوانات والجمادات ، معاينة ، أو ضمناء ، تشهد لك بالرسالة والنبوة ، ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بك في حال من الأحوال ، إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إيمانهم فيمن لم يسبق له الشقاء ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ أنهم لو أوتوا بكل آية لم يؤمنوا ، فكيف يقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يعلمون ؟ ! ، فالجهل بهذا المعنى حاصل لأكثرهم ، ومطلق الجهل حاصل لجميعهم ، أو : ولكن أكثر المسلمين يجهلون أنهم لا يؤمنون ، فيتمنون نزول الآية طمعا في إيمانهم . قاله البيضاوي . الإشارة : في الآية تسكين لقلوب الأولياء الداعين إلى اللّه ، حين يرون الخلق قد حادوا عن باب اللّه ، وتعلقت هممهم بالدنيا الدنية ، وتشتتت قلوبهم ، وضاعت عليهم أعمارهم ، فيتأسفون عليها ، فإذا تفكروا في هذه الآية وأمثالها سكنوا وردوا أمر عباد اللّه إلى مشيئته وإرادته ، فلو شاء اللّه لهدى الناس جميعا ، ولا يزالون مختلفين : ( ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء اللّه ) . وبالله التوفيق . ومما تعلقت به المشيئة ، وجرت به الحكمة ، أنه لا بد أن يبقى للنبي من يحرّكه إلى ربه ، كما أبان ذلك بقوله : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 112 إلى 113 ] وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ( 112 ) وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ ( 113 ) قلت : ( شياطين ) : بدل من ( عدو ) ؛ إذ هو بمعنى الجمع ، أو مفعول أول لجعلنا ، و ( عدوا ) : مفعول ثان ، والضمير في ( فعلوه ) : للوحي ، أو للعداوة ، و ( غرورا ) : مفعول له ، أو مصدر في موضع الحال ( لتصغى ) : عطف على غرورا ، أو متعلق بمحذوف ، أي : فعلنا ذلك لتصغى . . . إلخ . يقول الحق جل جلاله ، في تسلية نبيه - عليه الصلاة والسلام - : وكما جعلنا لك أعداء من الكفار ، جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا من شياطين الْإِنْسِ وَالْجِنِّ أي : من مردة الفريقين ، وشياطين الإنس أقبح ؛ لأنه يأتي في

--> ( 1 ) في الأصول : قبل . ( 2 ) كما جاء في الآية 36 من سورة الدخان